حيدر حب الله

719

نظرية السنة في الفكر الإمامي الشيعي

هنا ، لكن المعطيات المدوّنة لا توحي بتكوين نظرية معرفية تبرّر هذا التفصيل ، سوى كلام عابر عن خلود القرآن و . . مما يرد عليه كثير من الملاحظات النقدية الجادّة من وجهة نظرنا على الأقل ، فإن تاريخية نصّ لا تعني إلغاءه دائما ، وإلغاء بعض آيات القرآن عن التأثير لا يمنع عن إعجازه وخلوده ، فقد اعتقد المسلمون بوجود منسوخ ، بل تطرف بعضهم ليجعل عدد المنسوخ كبيرا « 1 » ، ومع ذلك لم يكن في اعتقاد النسخ إضرارا بمكانة النصّ الكتابي ، ولهذا مجال آخر لا ندخله فعلا . على أية حال ، ولكي نعي السياق المنشط لحركة تاريخية السنّة شيعيا ، لا بدّ - أولا - من رصد التراث النصي الشيعي لاستثارته ، ومعرفة مدى توفره على شواهد تعزّز فرضية وجود نصوص حديثية تاريخية ، ثم رصد السيرورة التاريخية لهذه الفكرة - ثانيا - ولو بأشكالها البسيطة في الموروث الشيعي ، بعد عصر النص ، ثم استعراض المشهد المعاصر - ثالثا - لإكمال الصورة . المدخل النصّي لمقولة التاريخية في السنّة يبدو - بعد توضيحنا مقولة تاريخية السنة - أنها تستمدّ شرعيتها في بعض حالاتها - شيعيا - من بعض النصوص الحديثية التي وجدناها تشير إلى ذلك ، كما استعان ببعضها أنصار التاريخية بأطيافهم ، ونحن على سبيل الإشارة والاختصار نلفت النظر هنا إلى عينات بسيطة ، كي يطلّ القارئ عليها وهي : 1 - النهي عن أكل لحوم الحمير جاء في رواية عن الإمام الباقر عليه السّلام : « نهى رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلّم عن أكلها يوم خيبر ، وإنما نهى عن أكلها في ذلك الوقت ؛ لأنها كانت حمولة الناس ، وإنما الحرام ما حرّم اللّه في القرآن » « 2 » . يشير هذا النص إلى أن نهي النبي صلى اللّه عليه وآله وسلّم عن أكل لحم الحمر الأهلية أيام خيبر لم يكن حكما إلهيا ثابتا ، بل كان فرضا منه لمصالح رآها ، تكمن في إبقائها للحمل والنقل ، إذ لو همّوا بأكلها لفقدت وانقرضت من أوساطهم ، وفي ذلك ضرر بليغ عليهم . ويدلّ على المعنى نفسه خبر آخر : « إن المسلمين كانوا جهدوا في خيبر ، فأسرع المسلمون في دوابهم ، فأمرهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلّم بإكفاء القدور ، ولم يقل : إنها حرام ، وكان ذلك إبقاء على الدواب » « 3 » .

--> ( 1 ) - راجع حول ذلك : الخوئي ، البيان : 286 - 372 . ( 2 ) - وسائل الشيعة 24 : 117 ، أبواب الأطعمة ، باب 4 ، ح 1 . ( 3 ) - المصدر نفسه : 118 ، ح 2 ، وانظر سائر روايات الباب .